عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
177
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
ملازم الإطراق ، لا يرفع رأسه لأحد إلا عن ضرورة ، ومكث أربعين سنة لا يرفع طرفه إلى السماء ؛ حياء من اللّه عز وجلّ ، ورأيت الأسد غير مرة تأته وتمرّغ وجوهها على قدميه ، ورأيته قائما في الرواق في يوم صائف شديد الحر ، وعند رأسه حية عظيمة في فيها طاقة نرجس تروحه بها . قال : وشهدته مرة وقد أتاه رجل ومعه شابّ فقال له : هذا ابني ، وقد أكثر من مخالفتي ، وزاد في عقوقي ، فرفع الشيخ رأسه وكان مطرقا ونظر إلى الشاب ، فمزق ثيابه وأخذ من نفسه وحواسه ، وعدا إلى البطحاء وبقي شاخصا إلى السماء يأوي إلى السباع ولا يأكل ولا يشرب ، وبقي على هذا الحال أربعين يوما ، ثم جاء أبوه يشكو إلى الشيخ سوء حاله ، فأعطاه خرقة وقال : امسح بها وجه ابنك ، ففعل فأفاق وجاء إلى الشيخ ولزم خدمته ، وكان من أخص أصحابه . وكان الشيخ إبراهيم رضي اللّه عنه من أعيان المشايخ العارفين ، وصدور المحققين ، كثير الكرامات الباهرة ، شهير الأحوال الفاخرة ، علي المقامات الجليلة ، جلي المكاشفات الجميلة ، جميل المحاسن الطريفة ، جزيل المواهب بالعناية السابقة ، والعلوم النادرة من مخادع الأسرار والكشوف ، ومطالع الأنوار ، والمشرب الهني في مناهل الوصل على بساط الأنس ، والمجلس
--> - النهايات ، وملكه أسرار الولاية ، ونصبه قدوة وحجة . خلف أباه الشيخ أبا الحسن عليّا بعد وفاته بالمشيخة برواقي أم عبيدة ، وكان أجل أهل بيته يومئذ ، وكان قيما بحل المشكلات الواردة مؤيدا في كشف مخيفات الأحوال . وقال القوصي : وأخبرني الشيخ عبد العزيز عن سيدي إبراهيم الأعزب - رحمهما اللّه تعالى - قال : أخبرني فقير قال : دخلت العراق ، فوجدت خلقا لا يكادون ينحصرون ، الكلّ يقول : يا سيدي إبراهيم ، فقلت في نفسي : هذا يعرف عدد هؤلاء فضلا عن أن يربّيهم قال : فلمّا دخلت على الشيخ وجدت عليه ثوبا أزرق وطاقية من ثوبه ، وهو جالس في الرّواق فقال لي : ما هم الكل على ما رأيتهم قلت : نعم قال : قلوب الكل في يدي قال : ثم قام ووقف على باب الرّواق ، وجمع كفّه في الهواء وإذا هم يصيحون ويخرجون من الرحال ويجيئون من كل مكان ، ويقولون : لبيك يا سيدي إبراهيم ، لبيك يا سيدي إبراهيم حتى صاروا بين يديه - ولو رمى القمح ما وصل إلى الأرض - ثم بسط أصابعه أو بسط كفّه فراح كل واحد منهم إلى جهته التي جاء منها حتى لم يبق بين يديه أحد . فانظر يا أخي ، رحمك اللّه تعالى ، إلى هذا التصريف الأول : والثاني ، وهذا الرجل وما أعطيه من العطاء . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 21 ] . وصفات الشيخ إبراهيم كثيرة . وانظر : قلادة الجواهر للصيادي ( ص 449 ) ، والبهجة ( ص 406 ) ، والوحيد ( 1 / 282 ) .